القرطبي

27

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وقد قيل : إن الحديث في إيمان أمه وأبيه موضوع ، يردّه القرآن العظيم ، والإجماع ، قال اللّه العظيم : وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [ النساء : 18 ] ، وقال عزمن قائل : فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ [ البقرة : 217 ] . فمن مات كافرا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة ، بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع فكيف بعد الإعادة ؟ وفي التفسير أنه عليه السلام قال : « ليت شعري ما فعل أبواي » ؟ فنزل : وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ [ البقرة : 119 ] . قال المؤلف : ذكره الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية ، وفيه نظر ؛ وذلك أن فضائل النبي صلى اللّه عليه وسلّم وخصائصه لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته ، فيكون هذا مما فضّله اللّه تعالى وأكرمه به . وليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلا ولا شرعا « 1 » ، فقد ورد في الكتاب إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله ، وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى ، وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام أحيا اللّه تعالى على يديه جماعة من الموتى « 2 » . وإذا ثبت هذا ؛ فما يمنع من إيمانهما بعد إحيائهما ، زيادة في كرامته وفضيلته ، مع ما ورد من الخبر في ذلك ، ويكون ذلك خصوصا فيمن مات كافرا . وقوله : « فمن مات كافرا » إلى آخر كلامه ؛ فمردود بما روي في الخبر : « أن اللّه تعالى ردّ الشمس على نبيه عليه السلام بعد مغيبها » « 3 » ، ذكره أبو جعفر الطحاوي وقال : إنه حديث ثابت . فلو لم يكن رجوع الشمس نافعا وأنه لا يتجدّد الوقت لما ردّها عليه ، فكذلك يكون إحياء أبوي النبي صلى اللّه عليه وسلّم نافعا لإيمانهما وتصديقهما بالنبي صلى اللّه عليه وسلّم « 4 » .

--> قال العلّامة علي القاري في « أدلّة معتقد أبي حنيفة » ص 102 : « باطل موضوع بإجماع أهل الحديث ، ومخالف لمذهب الحق » . ( 1 ) قال علي القاري ص 89 : « لا شبهة في إمكانه أصلا وفرعا ، وإنما الكلام في ثبوته أوّلا ، ونفيه ثانيا » . قلت : ولم يثبت ذلك ، واللّه أعلم . ( 2 ) لم أقف على خبر صحيح في ذلك . ( 3 ) حديث رد الشمس كان لنبيّ من الأنبياء ؛ وهو يوشع بن نون - كما في بعض الروايات - والحديث عند البخاري ( 3124 ) ومسلم ( 1747 ) . وانظر « من قصص الماضين في حديث سيد المرسلين » للشيخ مشهور بن حسن - حفظه اللّه - ص 55 - 63 . ( 4 ) انظر في نقد هذا القول ؛ « أدلّة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول » للقاري ، ففيه تفصيل ماتع . و « رسالة في حق أبوي الرسول صلى اللّه عليه وسلّم » للعلامة إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي ، تحقيق : علي رضا بن عبد اللّه بن علي رضا ، نشرت في « مجلة الحكمة » العدد ( 21 ) سنة ( 1421 ) ه ، ص 453 .